منتدى منوع

    بحث حول محمود سامي البارودي رائد الشعر العربي الحديث

    شاطر

    ngadi pil
    مشرف على منتدى البحوث الدراسية

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 14/12/2009
    العمر: 23
    الموقع: http://sinper600.unblog.fr/

    بحث حول محمود سامي البارودي رائد الشعر العربي الحديث

    مُساهمة  ngadi pil في الخميس ديسمبر 17, 2009 8:47 am

    محمود سامي البارودي رائد الشعر العربي الحديث



    محيط - هاني ضوَّه

    في تاريخ الشعر العربي شخصيات أثرت وطورت الشعر وأحيته بعد ركود، ومن هؤلاء محمود سامي البارودي، رب السيف والقلب، كما يلقبونه، صاحب تلك الروح الشفافة التي تتقاطر عذوبة ورقة على ثُنيّات أبياته.

    ولد محمود سامي البارودي عام 1838م بمصر وتوفي فيها عام 1904م لأبوين من الجراسكة ، وكان أبوه حسن حسين بك البارودي من أمراء المدفعية ثم صار مديرا لـ (بربر) و(دنقلة) في عهد محمد علي باشا والي مصر ، وكان جده لأبيه عبد الله بك الجرسكي كشافا في عهد محمد علي مأمورا وكان أحد أجداد الشاعر مراد بن يوسف شاويش ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى بلاد محافظة البحيرة، ومن ثم لقب البارودي نسبة إليها وحمل أبناؤه هذا اللقب .

    وكان أجداده يرقون بنسبهم إلى المماليك حكام مصر وكان الشاعر شديد الاعتزاز بهذا النسب في شعره وفي كل أعماله ، الذي كان له فيه اثر قوي في جميع أدوار حياته وفي المصير الذي انتهى أليه .

    تلقي البارودي وهو في السابعة من عمره دروسه الأولى في البيت فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية وفي هذه الفترة بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج عام 1845م برتبة باششاويش ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية.

    ولسوء حظ الأدب وسوء حظه أن ولاية مصر قد آلت آنذاك إلى عباس الأول ثم إلى سعيد وكان عباس قد عدل عن خطة محمد علي حين رأى الدولة العثمانية تنظر إلى الجيش المصري بعين الريبة والقلق لذا تعطلت النهضة التي كانت متصلة بالجيش في الصناعة والتعليم .

    ترقى البارودي في السلك العسكري والسلك المدني، وحصل على أعلى المراتب، فكان وزيراً للمعارف والأوقاف ووزيراً للحربية والبحرية في عهد الخديوي توفيق، ثم أصبح رئيساً للوزراء قبيل اندلاع الثورة العرابية التي شارك فيها وكان من أبرز وجوهها، وبعد إخفاق الثورة واحتلال الإنجليز لمصر سنة 1882، حوكم مع غيره من قادة الثورة وحكم عليه بالنفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب "سريلانكا حالياً"، وظل هناك حتى عاد إلى مصر سنة 1900م، بناء على نصيحة الأطباء بعد أن فقد بصره.

    مع مجموعة من رفاقه الثوار اطل شاعرنا على ساحل مصر ليلقي عليه نظرة الوداع ، وما تكاد الباخرة تغادر أرض النيل حتى ترتفع عواطف الشاعر الدافقة لتتحول إلى مشهد حزين ينتهي إلي تجربة صادقة تجسدها قصيدته النونية التي يبدؤها بقوله:

    ولما وقفنا للوداع وأسبلت

    أهبت بصبري أن يعود فعزّني

    وما هي ألا خطرة ثم أقلعت

    مدامعنا فوق الترائب كالمزنٍ

    وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن

    بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن

    كان البارودي في شعره السياسي ناقداً اجتماعياً وثائراً وطنياً ومصلحاً صريحاً شديد الحرص على حرية أبناء بلده ناقداً لهوانهم وذلهم وتهاونهم في الرد على الظلم والسكوت عليه يقول :

    وكيف ترون الذل دار إقـــامـة وذلك فضل الله في الأرض واسـعُ

    أرى رؤوساً قد أينعت لحصادهــا فأين ـ ولا أين ـ السيف القواطعُ ؟

    فكونوا حصيدا خامدين أو افزعـوا إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافـع

    أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجـة أليّ ولبّاني الصدى وهو طائـــعُ

    فلم ادرِ أن الله صور قبلكـــــم تماثيل يخلق لهن مسامـــــعُ

    وكثيرا ما تغنى بمصر وجمالها وسحرها لاسيما في المنفى إذ ظلت تلك القصائد تؤكد مشاعره تجاه وطنه وأحبابه يقول :

    فيا (مصر) مدّ الله ظلك وآرتوى ثراك بسلسال من النيل دافــقِ

    ولا برحت تمتار منك يد الصـبا أريجا يداوي عرفه كل ناشــقِ

    فانت حمى قومي ومشعب أسرتي وملعب أترابي ، ومجرى سوابقي

    بلاد بها حل الشباب تمائمـــي وناط نجاد المشرفيّ بعانقـــي

    امتازت مراثي البلاد عند البارودي بصدق الإحساس ورقة العاطفة لذا فنه لم يرث صديقاً أو قريباً إلا كان رثاؤه صادقاً بعيداً عن شعر المناسبات، ويبدو على شعره الحزن العميق بعد أن تسلم خبر وفاة زوجته وتعد هذه القصيدة من عيون الشعر العربي في رثاء الزوجات يقول:

    أَيَدَ المنون قدحت أي زنـــاد أطرت أية شعلة بفــــؤادي

    أوهنت عزمي وهو حملة فيلق وحطمت عودي وهو رمح طراد

    لا ادري هل خطب ألم بساحتي فأناخ ، أم سهم أصاب سوادي ؟

    أقذى العيون فأسبلت بمدامـع تجري على الخدين كالفرصـاد

    ما كنت احسبني أراع لحـادث حتى منيت به فأوهـــن آدي

    أبلتني الحسرات حتى لم يكـد جسمي يلوح لأعين الـــعوّاد

    استنجد الزفرات وهي لوافـح وأسفه العبرات وهي بــوادي

    ويعد البارودي باعث النهضة الشعرية الحديثة في الشعر العربي، فقد نجح في تحميل الإطار القديم تجارب حياته الخاصة، كما نجح في إعادة الشعر العربي إلى ما كان عليه في عصوره الزاهرة، فأضحى شعره يشاكل شعر الفحول في صدر العصر العباسي. وساعده ذكاؤه الحاد وموهبته الفذة على تحقيق ذلك الهدف بمعارضة الشعراء الأقدمين وتقليد أساليبهم وتراكيبهم، وبذلك أصبح رائد حركة الإحياء في الأدب العربي الحديث، وكان عظيم التأثير في المدارس الشعرية التالية، وقد صنف مختاراته التي جمعها لثلاثين شاعراً، وله ديوان في جزأين أعادت طبعه مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري وكرمته فأطلقت اسمه على إحدى دورات جوائزها للإبداع الشعري، (الدورة الثالثة عام 1992م).

    بعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره فتقرر عودته إلى وطنه مصر للعلاج ، فعاد إلى مصر يوم 12 سبتمبر عام 1899 وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد:

    أبابلَ رأي العين أم هذه مصـر ُ *** فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ

    نواعسَ أيقظن الهوى بلواحـظٍ *** تدين لها بالفتْكةِ البيضُ و السمرُ

    فليس لعقلٍ دون سلطانها حـمىً *** ولا لفؤادٍ من غشْيَانِها سترُ

    فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرةً *** فذلك عصر المعجزات و ذا عصرُ

    بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".

    ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في 4 من شوال 1322هـ ، 12 من ديسمبر 1904م، بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل إستقلال مصر وحريتها وعزتها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 30, 2014 11:05 am